يتعمد أصحاب القلوب المريضة والأقلام الخبيثة توجيه الاتهامات الباطلة للدولة العثمانية بأنها تخلت عن الأندلس ولم تتحرك لنجدتها وقد انساق وراءهم جمع كبير من عامة المسلمين للأسف الشديد. والحقيقة أن هذا الكلام محض كذب وافتراء فالدولة العثمانية بذلت الكثير من المحاولات لنجدة الأندلس .
لكي تتضح لنا الأمور جيداً لابد لنا من أن نفهم طبيعة الدولتين وأحوالهما في تلك المرحلة، ففي الوقت الذي كانت دولة بني عثمان تشق طريقها لتعلن عن نفسها وترفع الراية بعدما كادت أن تسقط على يد تيمورلنك.
كانت دولة الأندلس في الغرب تسارع نحو الانهيار، حيث الصراع على الحكم بين ملوك الطوائف وانتشار الفتن واستعانة بعض ملوك المسلمين بالنصارى ضد إخوانهم، وبدأت ممالك الإسلام تسقط واحدة تلو الأخرى، وبالتالي كان المشهد في العالم الإسلامي على هذا النحو: دولة فتية تبدأ مجدها وتحارب على عدة محاور لإثبات نفسها وتخوض معارك طاحنة ضد أوروبا في الغرب والدولة الصفوية في الشرق، ودولة أخرى يأفل نجمها في الأندلس ويتصارع ملوكها وتنهار ممالكها في يد النصارى واحدة تلو الأخرى .
و مع هذا فما أن وصلت الاستغاثات للسلطان محمد الفاتح الذي كان منشغلا بفتح أعظم مدن أوروبا في ذلك الوقت '' القسطنطينية '' حتى هب الفاتح لنجدة الاندلسيين فهجم على إيطاليا وسيطر على مدينة لاترانتوا محاولا الوصول إلى الأندلس، ولكن وقفت أمامه عدة عقبات منعته من استكمال المسير، بعد الفاتح تولى ابنه بايازيد الحكم وأثناء حكم بايازيد وقعت الكارثة بسقوط الأندلس وتسليم أبوعبدالله الأحمر مفاتيح غرناطة للنصارى سنة ١٤٩٢ م وقد توالت صرخات الأندلسيين واستغاثاتهم بالعثمانيين، وعلى الرغم من أن بايازيد الثاني كان مستهلكا في حروب طاحنة مع قوى مختلفة من الأوروبيين والصفويين والمماليك إلا أنه لم يكن له أن يرد هذه الاستغاثات فأرسل أسطولا ضخماً بقيادة "كمال رئيس" لضرب سواحل إسبانيا ومحاولة دخول الأندلس.
وقد حاول كمال رئيس الوصول إلى غرناطة إلا أن الموانع الأوروبية والخيانات التي حدثت من بعض القوى الإسلامية ورفض المماليك عبور الجيش البري العثماني عبر مصر و رفض الأسرة الحفصية في تونس تقديم يد العون للاسطول العثماني كل ذلك وقف عائقا أمام وصول الأسطول العثماني إلى الأندلس وإنقاذها قبل فوات الأوان، و لم تتوقف محاولات العثمانيين لإنقاذ الاندلسيين بل استمرت حتى بعد سقوط الأندلس ، فبعد أن تولى سليم الأول الحكم أرسل إلى قائد الأسطول الإسلامي عروج وكلفه بمهمة عرفت في التاريخ بالمهمة المستحيلة وكانت تقوم على مهاجمة سواحل إسبانيا والسيطرة عليها وإنقاذ مسلمي الأندلس من محاكم التفتيش والعودة بهم إلى الجزائر.
وقد استطاع عروج تنفيذ الخطة بنجاح وإنقاذ عشرات الآلاف من المورسيكيين،و عندما تولى سليمان القانوني أعظم سلاطين الدولة العثمانية الحكم انتفض هو أيضاً لمحاولة إنقاذ المورسيكيين فجهز جيش قوامه مئتا ألف، وحاول الوصول إلى الأندلس عن طريق فيينا، ولكنه لم يكمل المسير بسبب مهاجمة الصفويين لعاصمة الخلافة العثمانية.
كما أرسل سليمان ثمانين سفينة وثمانية آلآف مقاتل من الإنكشارية إلى قائد أسطوله "خير الدين بربروسا"، وأمره بمهاجمة الأندلس وإنقاذ المسلمين هناك وقد فتحت الدولة العثمانية أبوابها أمام الأندلسيين الفارين من بلادهم فاستقبل العثمانيون قرابة نصف مليون أندلسي من المسلمين وغيرهم ، هذه كانت إطلالة سريعة عن بعض محاولات العثمانيين لإنقاذ الأندلس، ويبقى السؤال الأخير: لماذا لم تكلل هذه المحاولات بالنجاح ؟! الحقيقة أن الأمر لم يكن بهذه السهولة التي يتخيلها البعض، فالأمر كان شديد التعقيد، وقد تعددت العوامل التي منعت العثمانيين من إنقاذ الأندلس ومن أهم هذه العوامل الطبيعة الجغرافية، ، إضافة إلى التحالف الصليبي الأوروبي ضد العثمانيين وإغلاق الإسبان لمضيق جبل طارق ، فمن الظلم أن نتجاهل ذلك كله، وننسى هذه المحاولات كلها، ونتهم العثمانيين بأنهم فرطوا في نصرة الأندلس.
المصدر:
الدولة العثمانية لـ علي الصلابي.
# كنتم مع مقالات هل خان العثمانيون إخوانهم الأندلسيين ؟!



